ثلاثية الفشل - الخطأ الأميركي الكبير

فهد بن بخيت

كما أوردنا في الجزء الأول من هذه المقالة: تلعب اللعبة السياسية الأميركية بالطريقة التي يقولون عنها في العامية الأميركية: أنت تربت لي على كتفي وأنا أربت لك على كتفك (أو تحك لي ظهري وأحك لك ظهرك كما نقولها). التأثير على المشهد السياسي الأميركي لصالح منفعة أي متنفع لا يكون من تخطيط اللحظة ولا وليد الآن. بل يكون كما هو منحوت في تاريخ السياسة الأميركية عبر التخطيط البعيد - بعيد المدى بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. الآن وعبر تسخير الولاءات عبر الزمن لأجل لاحقاً حين الحاجة لها - لا شراءها فور الضرورة وحين تقع الواقعة. عبر تبيت الرجال على كراسيهم لأجل اللحظات الحاسمة لاحقاً لا ترجي رحمات المتنفذين أوقات الضرورات.

أغلب المتخصصيين وذوي الشأن من متابعي العلاقات السعودية - الأميركية تفاجؤوا من موافقة المؤتمر (الكونغرس) الأميركي على قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب Justice Against Sponsors fo Terrorism Act اختصاراً جاستا JSTA والمفاجأة الأدهى والأمر هي أن الكونغرس الذي وافق عليه هو كونغرس جمهوري، فالجمهوريون هم من عرف عنهم تاريخياً ميلهم لصالح كفة المنطقة في قراراتهم ذات الصلة. ومن سعى لنقضه هو ديموقراطي وحزبه عادة على الطرف الآخر من الكفة. أي إن الموازين كلها قد تبعثرت شتاتاً ولم تنقلب فقط. ولن ندخل في تفاصيل القانون فقد أشبع نقاشاً وجدلاً وأشبعنا استفزازاً بدءاً من قضايا الحادي عشر من سبتمبر (2001م) الفاشلة ومروراً بأضحوكة وثائق الثمانية وعشرين صفحة ولا نظنه انتهاء بجاستا - فغالب الشعب الأميركي يحب الدراما وأن يبقى متحمساً لاهثاً والسياسي سيسعى دائماً لسكب الزيت على النار لأغراضه ومنافعه (حسبما تسيره جماعات الضغط غالباً) لكن ما يعنينا بعد السرد أعلاه هو التمهيد لخلاصة بسيطة للغاية وفق فهم استطلاعي لما قد يكون نحى منحى حاد عن مسار اللعبة.

ورد مثلاً عنوان صحفي في الموقع الأخباري المتخصص «المحامي الأميركي» بتاريخ 2 ديسمبر لعله يترجم عنوانه إلى «جهود ضغط القانونيين الكبيرة تفشل في وأد (قضايا) 11/9 ضد السعودية» ويذكر المقال الذي أشبع نقلاً في الصحافة الأجنبية أن عضوي مجلس الشيوخ المخضرمين المرشح السابق للرئاسة الأميركية عام 2008م السناتور جون مكيين والسناتور ليندسي غراهام فشلا في وضع تعديل بسيط على جاستا على أجندة الكونغرس قبل نهاية الفترة الحالية - تعديل كان من شأنه أن يخفف وطأة القانون حيث كان يهدف بصورة عامة ومختصرة بقصر الخاضعين لأحكام جاستا على من كانوا يدعمون الإرهاب عن معرفة (نية).

الفرصة لم تزل سانحة بعد، مازال يمكن عرض أي تعديل على الكونغرس الخامس عشر بعد المائة الجديد بعد موسم الأعياد الأميركي الحالي وتقريباً بالتزامن مع تولي الرئيس المنتخب للحكم لكن لنضع نصب أعيننا تصريح الرئيس المنتخب حين نقض الرئيس الراحل - فاشلاً - جاستا.. لو تم انتخابي رئيساً كنت لأوقع على القانون متى وصل مكتبي» لكن في كل الأحوال عدل الرئيس المنتخب عن الكثير من تصريحاته خلال فترة ترشحه بدءاً من خطابه. قبوله الفوز الذي قد يكون خارطة طريقه - فمن يدري ما قد يفعله. فمثلاً قام الرئيس الجديد بترشيح السيناتور جيفيرسون سيسشنز والذي كان القوة الأكبر في دعم تمرير جاستا ومكافحة تعيلاته - ترشيحه لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة الأميركية والذي بدوره سيقوم بتعيين المدعين العامين على المستوى الفيدرالي ومثل هؤلاء المدعين العامين سيكون حجر زاوية في الادعاء ضد الدول الخاضعة لجاستا.

لذلك، ليس صحيحاً أن تلعب لعبة غير وفق قواعدك أنت. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره فلا يمكننا مثلاً مشاهدة ونقد كرة القدم الأميركية (American Football) اللعبة الأكثر شعبية في الولايات المتحدة الأميركية وفق قواعد كرة القدم الأخرى (Soccer) التي تلعب عندنا في المنطقة بل علينا حين نرغب في أن نشاهد وأن نتمعن وأن نشارك في كرة القدم الأميركية أن نفهم قواعد تلك اللعبة قبل إبداء أي رأي فيها. ومعرفة لاعب أو اثنين أو فريق كامل أو مالك الفريق أو مدربه لا يعني مطلقاً أننا عرفنا اللعبة!

كسب الولاء في الولايات المتحدة الأميركية يأتي من قاع الهرم لا من قمته فحين نتصور الهرم والولايات المتحدة الأميركية نستطيع خلق الصورة الذهنية الأنسب لتشعب السلطة والحكم فيها. فليس مطلقاً ولا البتة يمكن القول: إن تلك السلطة تتركز في قمة هرمها. ولا يمكن تطويع المؤسسة السياسية الأميركية عن طريق بعض من رجالاتها، فهذه مؤسسة عريقة ودولة عميقة مؤسساتية لابد من التمكن من العديد من مفاصلها - لا الاعتماد على بعض من كبار منفيذيها المتغيرين بين الفينة والأخرى أو الذي قد لا يكونون مقبولين من الحزب المتنفذ الآخر.

في قاع الهرم السياسي الأميركي العريض وقاعدته تأتي المقاطعات التي تشكل الولايات. وأعلى منها تأتي الولايات التي تشكل الدولة الفيدرالية. وعلى قمة الهرم يأتي الرئيس الذي تأتي به قواعد هذا الهرم. فمثلاً يوم ثلاثاء العام الماضي ٨ نوفمبر ٢٠١٦م لم ينتخب عامة الشعب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، بل انتخبوا ممثليهم في المجمع الانتخابي الذي سيصوتون لمرشحهم المعتمد من قبلهم والذي تم حينها إعلان فوزه بحكم واقع الحال لكن يوم الاثنين ١٨ ديسمبر ٢٠١٦م كان هو اليوم الحقيقي لانتخاب الرئيس مباشرة والذي بموجبه ممثلي عامة الشعب عبر الأحزاب يختارون الرئيس، ففي هذا اليوم فقط تأكد دون أدنى شبهة من هو الرئيس القادم للولايات المتحدة الأميركية تم التأكيد عبر ممثلي الشعب من سيكون الرئيس وتم تنصيبه يوم ٢٠ يناير ٢٠١٧م.

يتبع






مواد ذات صله

Image

الإسكان من مشكلة إلى معضلة!

Image

زيارات الوفاء

Image

القوات المسلحة الإلكترونية

Image

الملك سلمان وخدمة الإسلام

Image

ترويض العقل الباطن

Image

الورش والبقالات قد تحد من البطالة







التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع