مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

يسر الله جل وعلا لي زيارة جناح مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية في مهرجان الجنادرية، فامتلأت جوانحي حبرة، وأُشْرِبَ قلبي مسرة، وانْقَلَبْتُ قرير العين، طيِّب النفس، منطلق اللسان بالشكر والعرفان لما مُنِحْنَا من نعم ربِّنا المنان، ولا غرابة فقد اطَّلعت منه على ما يسرُّ كل مواطن غيور على دينه، ومحب لوطنه ومجتمعه، ولي مع ذلك بعض الوقفات:

الوقفة الأولى: أن هذا المركز يحمل اسماً ووصفاً، أما الاسم ف: الأمير محمد بن نايف ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، القامة السامقة في حرب الإرهاب، والشخصية البارزة في دحر الفساد، سيِّدٌ نِيْطَتْ به أثقل الأعباء، فنهض بها نهوض الأكفاء، وشهمٌ دُرِئَ به في نحور أقسى الخصوم أفئدة، فقمعهم وَأَرْبَكَ خططهم المفسدة، وكم كان ينطبق عليه قول القائل:

وَنعمَ الصَّرِيخُ المستجاشُ مُحَمَّدٌ ... إِذا حنَّ نوءٌ للمنايا وأَرْزَمَا

هُوَ اللَّيْثُ لَيْثُ الغابِ بَأْساً ونَجْدَةً ... وَإِن كَانَ أَحْيَى مِنْهُ وَجْهاً وأَكْرَمَا

وليس ذلك بمستغرب فهو نسل الأئمة المجددين، وحفيد الملوك المصلحين، ابن حامي حمى الوطن، وحفيد صقر الجزيرة الأشم.

أما الوصف ف: المناصحة والرعاية، والنصح ركيزة من ركائز رُشْدِ القيادة، وحُسْنِ السيادة، ولقد كفاه فضلاً وروده على لسان غير واحد من الأنبياء والمرسلين، واصفاً به نفسه، (وَأَنْصَحُ لَكُمْ)، (وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِين)، (وَنَصَحْتُ لَكُمْ)، وقد ثبت في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة)، والقيام بهذه المهمة النبيلة، والوظيفة الشريفة دلالةٌ على الخير، ومؤشرٌ للفضل، وعلامةٌ على صفاء النفس، وزكاء السريرة، وحب الخير للبشرية، ناهيك أن يُؤسَّسَ لها مركزٌ كاملٌ، ومعقلٌ متكاملٌ، تُطَهَّرُ فيه أدران الغيِّ، بمَعِين الرُّشْد، وتُعالَجُ فيه رُعُونات الغواية، ببلسم الاستقامة، وتتفتَّح فيه الأعين التي أعمتها الشبهات المردية؛ لترى انبلاج أنوار الحقائق المنجية، ويُستأصَلُ فيه أورام الأفكار الخطيرة، وتُمْحى فيه إملاءات الأعداء الكبيرة، فتكون نتيجة ذلك تلقِّي المستفيد تأهيلاً فكرياً، وتقويماً جذرياً، لا يَعْوَجُّ بعده إلا من غَلَبَتْ عليه شِقْوتُهُ، وعَصَفَتْ بحظِّهِ ريحُ خيبته، وقد وُفِّرَتْ لذلك الموارد المالية، وَوُظِّفَتْ فيه الكوادر البشرية، واستُضيفت له الشخصيات العلمية، فتمخَّضَ عن ذلك تميُّزٌ فريدٌ حَصَدَ به من الإشادة العالمية والمحلية ما هو مشهور معروف، كل ذلك في سبيل النصح والرعاية، والإصلاح والعناية، وحفظ الدين والوطن، والاستقرار والأمن.

الوقفة الثانية: أن دولتنا المباركة بمقدورها أن تسلك مع أؤلئك المتورطين خيار القوة لأول مرة، وأن تُنْزِلَ بأؤلئك المفسدين العقوبة لأول وهلة، وأن تُوصِدَ أمامهم أبواب المسامحة، وأن تذودهم عن حياض المصالحة، لكنَّها لم تفعل ذلك مما يدل على أن رسالتها ربانية، ومنهجها نبوي، وأن مرادها وقصدها الإصلاح ما استطاعت، فليس من ديدنها حب الانتقام، ولا من صفاتها تصفية الحسابات، بل معاملتها عنوانٌ للرحمة، ونبراسٌ للشفقة، فإذا لم يُثْمِرْ غراس الرحمة والشفقة، ولم يَلْقَ نداء النصح آذاناً مُصْغِية، وَتَجَارَتْ بالغواة أهواؤهم، وَجَمَحَ بهم طغيانهم، لم يكن بُدٌّ من حماية المجتمع من شرورهم، بالدفع في صدروهم، ولا مناص حينئذ من إيقاف عدوانهم بالقوة الجبرية.

فَقَسَا ليزدجروا ومن يك حازماً ... فَلْيَقْسُ أحياناً على من يرحم

فبعد قيام الحجة، واستبانة المحجة، لا يتمادى في الإفساد إلا مُتَعَنِّتٌ لا يلتمس مسالك الحق، ولا يتحرَّى مناهج الرُّشْد، ولا ينجلي ما تراكم على بصره من الغشاوة إلا ببارقة السيوف

السيف أصدق أنباءً من الكتب... في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب

بيض الصفائح لا سود الصّحائف فى ... متونهنّ جلاء الشَّكِّ والرِّيب

الوقفة الثالثة: أننا لو عقدنا مقارنة عاجلة بين دولتنا المباركة، وبين بعض الدول التي حَكَمَتْ شعوبها بالنار والحديد، وطوَّقت أعناقهم بالطوق الشديد، لتجلَّى بوضوح تميز دولتنا المباركة عن غيرها في هذا الباب وغيره، فزيادة على التزامها المنهج الرباني، وسلوكها الطريق النبوي، فهي تدركُ بحنكتها أن سياسة الناس تتطلب حكمةً، وأن تسيير أمورهم يستلزم فطنةً، وقد جاء عن معاوية رضي الله عنه قوله: (لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت كانوا إذا شدوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها، فإذا لم أجد من السيف بُدَّاً ركبته -أي استعملته-)، وهذه السياسة تدلُّ على عقليةٍ سياسيةٍ فذَّةٍ، وعبقريةٍ فريدةٍ جمَّةٍ، فَسَعَةُ الصدر لها فوائدها الكثيرة، وعوائدها الكبيرة.

الوقفة الرابعة: أن مخرجات هذا المركز المبارك تشهد شهادة ناطقة أنه مركز أُسِّسَ على التقوى، فثمراته الطيبة التي تتمثل بإنقاذ المتورطين من نار الدنيا، والأخذ بحجزهم عن نار الآخرة هي من الأهداف العظيمة، والغايات الجليلة التي من أجلها أُسِّسَ هذا المركز العظيم، وبسببها أُقيم هذا المعقل الكريم، فصار يعمل ليل نهار لتحقيق ذلك، ولولا فضل الله تعالى ثم نُبْلُ منطلقات القائمين على هذا العمل، وثُقُوبُ أنظارهم، ومتانة خططهم، ما أثَّرَ في هؤلاء، فإن النهج الذي هم فيه قلَّما يرعوي من سَلَكَه، وقلَّما ينتصحُ من انتهجه، فتقويم زيغ بعض المنخرطين فيه إنجازٌ عظيمٌ، ونجاحٌ كبيرٌ.

الوقفة الخامسة: أن هذا المركز يُعَدُّ بحقٍّ من مفاخر دولتنا، ومن مناقب مجتمعنا، ومن حقِّه علينا أن نشدَّ على عضده، وأن نشكره على بذله وجهده، كُلٌّ منا حسب طاقته وقدرته، فلا ينبغي أن نسكت عن مثل هذه المفاخر، ولا أن نتجاهل مثل هذه المآثر، ناهيك أنها وقاية وعلاج لأمراض خطيرة، وَجَبْرٌ لصدوع كبيرة، لو تُرِكَتْ بلا معالجة، وأُهْمِلَتْ بلا مداركة، لفتكت بالمجتمع، ولأرهقته من أمره عسراً، فحقيقٌ بمن تصدَّى لعلاجها أن تُذْكَرَ مساعيه فَتُشْكَر، وأن يُؤازَرَ في عمله ويُنْصَر، وأن يُدْعَى له بالسداد والتوفيق، والحفظ والتأييد.

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار






مواد ذات صله

Image

الورش والبقالات قد تحد من البطالة

Image

رحلت معلمة الأجيال أم أحمد

Image

الجنادرية نموذج حضاري

Image

أبناؤنا والاختبارات

Image

الصيف والتسمّم الغذائي







التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع