عندما تجسد الفعاليات الثقافية حقبة من الزمن الجميل في مجتمع المملكة العربية السعودية كما هي في الجنادرية، فإننا نقلب صفحات تاريخية تحكي حياة الإنسان السعودي عندما كان زنده المفتول يحفر الأرض ويحرثها ويشيد البناء.
عندما كان يجتمع أبناء القرية أو المدينة ليعملوا معًا جنبًا إلى جنب بأسلوب مجدول لكل مزرعة من مزارعهم؛ إيمانًا منهم بأهمية العمل الجماعي بعيدًا عن النظرة الذاتية والأنانية؛ حيث إن الأفراد بطبيعتهم مؤهلون للانخراط في الممارسة والعمل والإنتاج. عندما تتكامل الخبرة والقدرة في تجمعهم، ويكون هدفهم استشراف مستقبل معيشتهم ، فيتحركون كجسد واحد، وتتسم حركتهم بالعقلانية والمنطق في تناول أبعاد المناشط الاجتماعية.
إن الجنادرية تحكي لنا أن الأفكار تنمو وتترعرع في المحيط الصحي الخالي من التدخلات التقليدية التي غالبًا ما تكون حجر عثرة أمام الإنتاج، فالبيئة التي تتوافر فيها إمكانات حسية وانطباعات إيجابية تتيح الفرصة لهم للإنتاج بشكل يتناغم مع محيط مشجع، ومع مبدأ يؤمن بأن التوالد المتزايد للنمو في المجتمع يكون نتاج العمل المشترك.
الجنادرية صفحة ناصعة لماضي وطن عرف القيم والمبادئ ونكران الذات، بل صفحة ناصعة للتآخي والمحبة والتواصل والعطاء.
كل زائر لمهرجان الجنادرية يعلم أنه حفيد لرجال عاشوا الجنادرية في مدنهم وقراهم بسعادة نفتقدها نحن بالرغم من المدنية، والتقنية، والهواتف الجوالة، ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. ويعلم أنه حفيد لرجال لم يعانوا أمراض المدنية والأمراض الحديثة التي شيدنا لها المستشفيات المتطورة. رجال عرفوا معنى الوطن ومعنى الأمن ومعنى القيم. سلوكهم من منهج الشريعة وتعاملهم من مبدأ الأخوة وأعمالهم من أجل وطن وجيل يرون فيهم حياتهم وسلوكياتهم.
الجنادرية تبتسم لكل زائر ليضع نصب عينيه ماضيه وحقيقة نشأته ولسان حالها يقول: لا تعيبوا زمانكم؛ فالعيب فيكم، فالزمان هو الزمان والقيم هي القيم والاختلاف فقط في آلية وسبل تعاطينا مع هذه القيم واستيعابنا لحجم المتغيرات وأهدافها بصرف النظر عن سلبياتها وإيجابياتها، فما اعتمدنا على مخزوننا الثقافي، بل أعدنا تشكيله وفق المفاهيم والحقائق والخبرات بعيدًا عن الانفعالات والعواطف.
الجنادرية فرصة كل أب أراد أن يروي قصة عشق ووفاء لهذه الأرض، فهي كتاب مجسم ومفتوح لكل ذي لب يرغب أن يدرك ماضيه ليعطر به مستقبله، فالجنادرية عبق التاريخ.
وكيل جامعة نايف العربية
للعلوم الأمنية


التعليقات