جنون عشق المزاين والفنون (1-2)

الطبيعة هي الملهم لكل الرموز شعراً ونثراً وفناً..

إبراهيم الزهراني

معنى عشق في معجم اللغة العربية المعاصرة: هويه وتعلق قلبه به وأحبه حباً شديداً عشق فتاة، فلان يعشق الشعر، الفنون، الأدب، أعشق هذا اللون من الموسيقى، يعشق الألعاب الرياضية، يعشق الطبيعة، يعشق الكائنات الحية.

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

وعندما تبلغ قيمة الناقة إلى مبالغاً تفوق لوحة "الموناليزا" للإيطالي ليوناردو دافنشي، فلابد بد من بحث ما تكتنفه تلك الظاهرة من غموض، فكما تُستعرض اللوحات العالمية ويتم تقييمها من متمرسين ومتخصصين في شتى المدارس الفنية والعلوم البصرية، فإن للإبل لجان من ذوي الخبرات الطويلة من قراء الجمال والخصائص عند تصنيفها وتقييمها، حيث يستعرضها أربابها حتى يبدو المتابع وهو يتجول بين أشكال وألوان وأنواع المزاين على مستوى دول مجلس التعاون، وكأنه يتجول داخل متحف اللوفر في باريس، باحثاً عن تحفة أثرية أو لوحة تشكيلية خالدة، حيث نجد أن هناك قراءً لجماليات الإبل والمميزات والدلالات المتعددة لها، والتي تداولتها الكتب ودونها التاريخ على مر العصور بدءًا بوجودها على كوكب الأرض منذ ملايين السنين إلى اليوم، حتى أنه ورد ذكرها تكراراً في الوحي الإلهي في معظم كتب الأديان السابقة، ومنها ما ذكر القرآن الكريم عن ناقة النبي صالح عليه السلام، والإشارة إلى الإبل كونها آية من آيات الله بل الحث على تأمل الإبل والمتعة البصرية التي يجدها المشاهد في قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت). وغير ذلك مما تداولته الأحاديث والتاريخ الإسلامي كناقة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "القصواء" وتلقيها للأمر الإلهي في المدينة المنورة، وذكر الإبل عند شعراء العصر الجاهلي وعصر الإسلام والعصر الحديث مالا يمكن حصره في مجلدات أو كتب!.

حتى اكتسبت الإبل تلك الخصوصية لوجود سمات كُثر أدت إلى نشوء عشق عجيب بينها وبين الإنسان، فيما يتعلق بعلاقتها وأهميتها وخصائصها وألوانها، وسماتها التاريخية، حتى أصبح مالكها مستعداً للتضحية بكل ما يملك بحيث لا يفقد عشيقته من الإبل! واختير لها مسميات بل أنه تم تسمية الأولاد والبنات بأسماء الإبل محبة فيها. ففي العصر الجاهلي قال طرفة بن العبد وهو شاعر جاهلي عربي من الطبقة الأولى، ومصنف بين شعراء المعلقات حيث ورد ذكر الناقة في معلقته خمسة وثلاثون مرة ومنها:

كأن‌َّ حُدُوج‌َ الَمْالِكِيَّه‌ِ غُـــــــدْوَة‌ً

خَلايا سَفِين بِالنَّوَاصِف‌ِ مِن‌ْ دَدِ

عَدَوْلِيَّه‌ٌ أَوْ مِن‌ْ سَفِين‌ِ ابْن‌ِ يَامِن‌ٍ

يَجُورُ بُهَا الْمّلاح‌ُ طَوراً وَيَهْتَدِي

يَشُق‌ُّ حَبَاب‌َ الَماءِ حَيْزُومُها بها

كما قَسَم‌َ التُّرْب‌َ الْمَفايِل‌ُ باليَدِ

هل كان طرفة بن العبد هو من أضاف لناقته تلك القيمة؟، أم هي الناقة التي كانت ملاذه الوحيد الذي يهرب إليه وهي جوانبه الروحية وملهمته وعشيقته، وهي من استنطق تلك القصيدة الفلسفية التصويرية الرائعة فهي رمزاً للصبر وتحمل صعوبة الظروف الطبيعية والعطش والحمل الثقيل وهي الغذاء ووسيلة النقل، وهي الصديق الذي يبادلك العشق والحب مادياً ومعنوياً، وقد جسدها طرفة بن العبد في تلك اللوحة الشعرية الجميلة كما وصفها معظم شعراء العصر الجاهلي أمثال امرىء القيس وعنترة بن شداد، وزهير بن أبي سلمى، وغيرهم.

أما في عصرنا الحديث ورغم أن الإبل اليوم تعيش في عصر الطيران ومختلف وسائل النقل الحديثة غير أنها اكتسبت قيمتها من التاريخ القديم، لذلك أصبحت عشيقة للمجتمع البدوي والمتحضر ولم تفقد قيمتها من العشق بل أنها أصبحت أكثر قيمة، ومن شعراء البادية من وصف ناقته بما لا يقل شغفاً وحباً عن طرفة بن العبد وغيره، قصيدة من عشرات القصائد الإبداعية المتداولة في معظم مواقع الإنترنت إحداها نسبت للشاعر دسمان بن مناحي السبيعي ومنها:

العين متعة نظر والقلب مفتاحه

أدنات ما حرك الأشواق وأحياها

لا شفت لي من خيار الذود طفاحه

ملحا طفوح تموح الارض بخطاها

من طيب ابوها رقاق الزين تجتاحه

تشعف هل الصنف والهقوه وتعداها

عسماء الايادي لجرد البيد مياحه

وطفا تدك الوطا من كبر ماطاها

فرعا سناد من الذرعان منزاحه

سودا على بنتها تعرف تهاياها

فجحا من الساق للوبال لواحه

غريبة اللون تفرقها بسمراها

image 0

إبراهيم الزهراني

image 0

تبادل المشاعر بين الناقة وصاحبها






مواد ذات صله

Image

شعراء ومواقف

Image

خمس الحواس

Image

باب الباء والراء (3)

Image

قِم شب نار الوجار وطيّب أشغاله







التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع