الغالبية منا يحتفظ في ذاكرته بشيء عن الدراسة و خاصة الاختبارات كما يحتفظ بذكريات كثيرة حول علاقته مع الزملاء ومع المعلمين والأسرة المدرسية.
وللقديم نكهته التي تميزه، فأجواء المدرسة بالأمس ليست مثلها اليوم على الأقل في إحساس الطالب الذي عاش فترة التأسيس والفترة الماضية، ذلك الطالب الذي يبدو له كل ما في المدرسة غريب وجديد ومختلف عن بيئته الاجتماعية.
يوم ان كل ٍ منشغل بالدراسة همّ على صدره وهم فدينه
إنها أجواء لا تشبه الجو الأسري ونظامه، فالمدرسة لها نظام في أول الأمر غريب ورهيب ومخيف وفي الوقت نفسه يحمل نوعا من التحول، ومن هنا ندرك لماذا كانت المدرسة وما فيها تحتل في الذاكرة مركزا مهما وتحتفظ بصورة و رسوم أولية للذكريات الدائمة وكل الجيل السابق فهو يذكر بدايات الدراسة وأجواء التعليم بشكل قوي .
إذاً: التعليم النظامي و المدرسة بما فيها من علم وتعليم وكتب وسبورات وما يلزمها من أقلام ودفاتر ومحتوياتها من رسوم وخرائط وطباشير ونظام كانت جديدة على المجتمع، حتى إن المبنى المدرسي أيضا بفصوله وحجمه ومساحته وأفنيته كلها ذات هيبة والمفرح أن المجتمع قابل المدرسة بالاحترام والتقدير من كل فئاته وجميع أفراده، ولم يتدخل أحد في أي عمل تقوم به، فلم ينتقدوا أسلوب معلميها، ولم يعترضوا على نظامها في القبول والتعليم أو الجزاء والعقاب أو محتويات المناهج أو الموضوعات التي تدرس، ولا في طريقة الاختبار و لم يذكر أن الجيل الذي استقبل التعليم النظامي بكل رحابة صدر كان له رأي مخالف لما يجري في المدرسة، فالأهل يسجلون ولدهم و يقولون للمدرسة: لكم اللحم ولنا العظم.
والمقصود بالعبارة أنه أمانة عندكم ردوه لنا لم ينقص من كيانه شيء وقد قالوا في الأمثال الشعبية : " إلى سلم العود فالحال تعود "
لهذا قل جدا تناول الشعراء لنظام المدرسة أو وصف ما يجري فيها أو التعرض لها بمدح أو قدح أو انتقاد، وما ذلك إلا لأن المدرسة جاءت لتنير المجتمع وترفع للعلم رايته ومكانته، فلم يكن حماها مجالا لأحد أن يتناوله بشيء قد يفهم منه التقليل من شأنها.
وقد يرسل المدير مستخدما أو مراقبا يسأل عن طالب متغيب، يزوره في البيت ويسجل عذره إن كان قد غاب لمرض أو لأمر طارئ وأيضا ذكريات الفراش الذي يبادر الطلاب وكأنهم أولاده بسطل الماء وقت الاختبار خاصة في فصل الصيف، يتنقل به الفراش بين الطلاب و هم منهمكون في كتابة الإجابات، وفي يده طاسة صغيرة يغرف بها من السطل وينبه الغافل أثناء مروره
قائلا: ( تبي ماء ) لكي يشرب لأنه يراه في قلق من الأسئلة وحائرا لا يعرف الإجابة، وبمروره يشيع نوعا من الارتياح لدى الطلاب حيث يوحي بأن الرحمة والشفقة تعمر وتغمر المكان بمن فيه.
كما أن ما يميز الاختبارات. الاهتمام بها وبدقتها صياغة وقراءة وتنوعا وتصحيحا حتى أن بعض الطلاب يحصل على شهادة الصف السادس الابتدائي ويكون أهلا للتدريس والعمل في التربية، وقد عين عدد منهم بالفعل. معلمون بعد تخرجهم من المرحلة الابتدائية وأثبتوا جدارتهم في العمل.
كانت هناك أوراق بيضاء تسمى ( فروخ) واحدها فرخ، وهو ورق مسطر تكتب عليه الإجابات وأيضا تكاية من البلاستيك يتكئ الطالب بالورقة عليها حتى لا تتمزق الورقة التي ليس تحتها سوى سطح الطاولة الصلب، وفي أعلى التكاية مساكة أوراق يسمونها قضّابة، تمسك الورق أثناء الكتابة في الاختبار يقول الشاعر في قصيدة يجسد فيها حالة أحد الطلاب الذين لهم حماسة في الدراسة ويريد أن تتحقق طموحاته والوصول إلى النجاح مقدما في القصيدة تصوراً لطموحه وما يمكن أن يعمله من أجل نفسه ومجتمعه:
يوم ان كل ٍ منشغل بالدراسة
همّ على صدره وهم فدينه
ان ما خذيته بالتعب والحماسه
مثل الصقر لامن خطف له سمينه
عندي طموح اثمن من الفين ماسه
يبي يتحقق باذن من شاع دينه

التعليقات