تمر بمؤسسة النقد الفرنسية وتواجهك تلك الإعلانات الضخمة تروج لعملة نقدية من فئة العشر يوروهات والتي تم استحداثها مؤخراً لتحمل تصميماً فنياً لمصمم الأزياء الشهير جان بول جوتيه Jean Paul Gaultier، العملة تحمل صورة رجل يرتدي قميص جوتيه الشهير T-shirt المقلم عرضياً بخطوط رفيعة والذي يعد علامة فارقة في نتاج هذا الفنان.

ومقولة أن "كل فرد منا يحمل في محفظته لوحة صغيرة فنية من المقتطفات التي تحملها العملات التقدية". تدل على أن ظاهرة تحميل العملات النقدية للمحات من فنون أو تواريخ ومورثات الشعوب ليست بالظاهرة الجديدة، إذ اكتشفت الشعوب مبكراً حيوية هذا المتحف المتنقل في الجيوب يخلدون فيه معالمهم الحضارية أبطالهم وقياداتهم والرواد في مختلف مجالات الإبداع البشري، ونأخذ على ذلك مثلاً العملات بالمملكة تلك التي من فئة المئة ريال الورقية والتي تحمل صور الحرمين الشريفين، أو صورة الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية -رحمه الله- والذي يتصدر الفئة الورقية من الخمس مئة ريال، هذا وبينما لا تزول ملكة بريطانيا عن عملاتها الورقية فإن الوجه الآخر لفئة العشر جنيهات سيحمل ابتداءً من هذا العام صورة الكاتبة جين أوستن، بينما فئة العشرين جنيهاً أسترلينياً صورة الفنان تيرنر وستطرح للتداول عام ٢٠٢٠، بينما تنفرد عملات بحملها لرسوم وصور تمثل طبيعة بلادها، مثل عملة الفلورين المستعملة في مقاطعة آروبا التابعة لهولندا والتي تمثل كائنات بيئتها الإستوائية من الحيوانات والأصداف مترافقة مع نقوش رمزية مستقاة من فنونها القبلية.

ومن الطريف مراقبة التيار الذي يتبدل على تلك العملات وفقاً لتبدل موازين القوى، فعدا عن المعالم التاريخية التي لا تتبدل قيمتها في تاريخ الأمم فإن ظهور شخصية على عملة لا يعني حلولها على عرش لا يزول، ونجد أن الشخصيات السياسية هي الأكثر عرضة للتذبذب في القيمة مثل صورة العقيد القذافي التي زالت، بينما الشخصيات الرائدة في تاريخ الحضارة كالمخترعين والشعراء والفنانين فإنها أقل عرضة للإزاحة.

ولا يمكن أن يزاح مبدع عن عملة إلا في حالة تدهور الأمة ثقافياً، حيث تحافظ القيادات الحضارية المثقفة على بقاء رموزها الحضارية على عملاتها، بصفتها الرسل الحقيقية التي تروج وتنشر تفوق ذلك الشعب، وهناك مقتنون للفن يتخصصون بجمع الفريد من تلك العملات، وبالإضافة للأقسام الخاصة بالعملات في المتاحف أو المتاحف المخصصة للعملات المحلية فهناك متسع لتخصيص متحف لدراسة تاريخ البشرية عموماً من خلال الفن المحمول في محافظها.