فهم النظام الإيراني عدم تحفظ إدارة أوباما من التدخل الإيراني المباشر في سورية، فقامت استراتيجيتهم على ركيزتين؛ «الأولى تقديم الدعم الكامل لنظام الأسد والمشاركة في قمع وذبح المعارضين، والثانية دعم الجماعات المتطرفة بشكل غير مباشر باعتبارها وسيلة لزرع الانقسامات بين المعارضة وتمنع تشكل إجماع دولي مطالب برحيل الأسد عن السلطة»

نصّبَ الأميركيون نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق، ويروي السفير الأميركي في العراق آنذاك زلماي خليل زاد أن نوري المالكي رد على العرض مندهشاً: "هل أنت صادق؟". وسألت لاحقاً السفير زلماي عن هذا الموقف فأجاب بأن الرئيس أوباما لا يختلف عن نوري المالكي في خدماته الجليلة التي قدمها لإيران. فترة المالكي الثانية كانت بإصرار إيراني في مقابل غض الطرف عن "هجمات إرهابية ضد مقرات قوى المعارضة الإيرانية في مدينة أشرف ومخيم ليبرتي، مما أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى"، كما قدم المالكي خدمات إضافية لإيران بضربه الصحوات، وتصفيته العرب السنة ممهداً الطريق لداعش.

أصدر السيستاني فتوى للجهاد ضد داعش، فاستغلها النظام الإيراني بتنظيم مجاميع المتطوعين فيما سمي "الحشد الشعبي" أو "باسيج العراق" استعداداً لحرب طائفية شاملة مستخدماً الحشد "لقمع سكان المحافظات السنية، تحت ذريعة محاربة داعش". تكوّن الحشد الشعبي من متطوعين تابعين لقوة القدس وارتبط مباشره بقيادة قوة القدس التي توفر "الأسلحة والمعدات، والاستخبارات، والتخطيط، والاستطلاع، ونار الإسناد اللازمة". وفي ظل غياب المكون السني عن البرلمان العراقي استخدم النظام الإيراني النواب الشيعة لتشريع كيان الحشد بالمصادقة على مشروع قانون "يعترف به قوة رسمية في الجيش العراقي.. فأصبحت المجموعات المتطوعة في الحشد والمرتبطة بالحرس الثوري ذات صفة رسمية، وتنفذ عمليات عسكرية في عدة مناطق عراقية وتأخذ قرارها من أبو مهدي المهندس (جمال جعفر محمد) رئيس هيئة الحشد الشعبي". والمذكور أحد المتهمين بالتفجيرات التي "استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت عام 1983، وموكب الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1985م". وفي مقابلة له مع صحيفة الأخبار اللبنانية في عددها الصادر 13 يوليو/تموز 2015 قال أبو مهدي "هذا الحشد لم يكن ليستطيع أن يفعل هذا الفعل الكبير في عملياته، لولا الدعم الواسع والكبير من الجمهورية الإسلامية، وعلى رأسها آية الله العظمي السيد الخامنئي، الذي أمر الحرس بدعمه بالسلاح والعتاد والاستشارة والخطط"، وأكد على أن عماد مغنية ومصطفى بدر الدين "كان لهما الدور الأساس في تنظيم خلايا المقاومة العراقية ضد الأميركان"، أما مليشيا "سرايا الخراساني" التي تمّ تشكيلها علي يد حميد تقوي، فقد أعلن أمينها العام علي الياسري "أنه يؤمن بولاية الفقيه ويتبع أوامر خامنئي وليس العراق أو أيّ بلد آخر".

سورية كانت المحطة الثانية للنظام الإيراني، ويصف مهدي طائب، شقيق رئيس الاستخبارات في الحرس الثوري حسين طائب أهمية سورية للنظام بأنها "المحافظة 35 لإيران وإذا أراد العدو الاستيلاء على سورية أو محافظة خوزستان الإيرانية، فإن الأولوية ستكون للحفاظ على سورية لأنه إذا حافظنا على سورية، يمكننا استعادة خوزستان في وقت لاحق. ولكن اذا خسرنا سورية، فنحن لن نكون قادرين على الحفاظ على طهران". فيما قال رحيم صفوي، المستشار العسكري لخامنئي، في كلمة ألقاها في قاعدة للحرس الثوري في أصفهان إن "نفوذ ايران تجاوز حدودها، ووصل الى العراق وسورية وإلى البحر الأبيض المتوسط وهذه هي المرة الثالثة التي يبلغ فيها نفوذنا سواحل البحر الأبيض المتوسط".

فهم النظام الإيراني عدم تحفظ إدارة أوباما من التدخل الإيراني المباشر في سورية، فقامت استراتيجيتهم على ركيزتين؛ "الأولى تقديم الدعم الكامل لنظام الأسد والمشاركة في قمع وذبح المعارضين، والثانية دعم الجماعات المتطرفة بشكل غير مباشر باعتبارها وسيلة لزرع الانقسامات بين المعارضة وتمنع تشكل إجماع دولي مطالب برحيل الأسد عن السلطة".

داعش نبتة شيطانية في أرض عربية سنية، ويأبى المنطق التصديق بأن ضحاياها هم الذين استنبتوها. وإذا كان هذا التنظيم حقيقة ماثلة لا مراء فيها فإن مبررات وجوده قد تذهب بنا إلى أنه نتيجة محتملة "لقمع الشعب العراقي واضطهاد السنة في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في العراق وبشار الأسد في سورية". ومن القرائن الدالة على دور النظام الإيراني وحلفائه في نشوء داعش "الإفراج عن السجناء المتطرفين من قبل المالكي والأسد". وقد صرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مقابلة مع قناة فوكس نيوز في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014م بأن داعش تشكلت بعدما "قام الأسد والمالكي بالإفراج عن نحو 2500 سجين.. وقام نظام الاسد بشراء النفط من داعش، مما مكّن له البقاء والتمدد"، واختتم الوزير كيري تصريحه بأن "الأسد وداعش كانا على علاقة تكافلية"، وبطبيعة الحال، لا يمكن النأي بنظام الأسد عن النظام الإيراني.

وخلال الأشهر الأولى من عام 2015م عانى تحالف الأسد وحزب الله والنظام الإيراني من نكسات خطيرة وكانوا على وشك الهزيمة في سورية. لحظ خامنئي بوادر التقهقر فهرع الى روسيا وحينها صرح قائد فيلق القدس الإرهابي قاسم سليماني بعد اجتماع في موسكو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه "إذا قدمت روسيا الدعم الجوي الكافي، فإن الحرس الثوري الإيراني وأتباعه سيكونون قادرين على تحقيق تقدم سريع على الأرض واستعادة الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة". وخلال فترة الإنتكاسات فقدت إيران "قائد الحرس الثوري في سورية، حسين همداني، مع عشرات من قادة وضباط آخرين في الحرس الثوري الإيراني رفيعي المستوى"، ومع ذلك واصلت دعمها للأسد والمشاركة في ارتكاب جرائم حرب "مطمئنة إلى تسامح الولايات المتحدة والغرب حيال دورها القتالي في سورية". ضاعف النظام الإيراني تواجده العسكري النظامي والمليشياتي إلى نحو 70000 مقاتل، "ثم قامت قوات الحرس الثوري بارتكاب مجزرة في المدينة السنية ماير قرب نبل، وأخلت المدينة من سكانها، وحولتها إلى قاعدة للحرس الثوري".

ويفتخر مسؤول الحرس الثوري الإيراني العميد إيرج مسجدي خلال حفل تأبين لأحد قتلى النظام في سورية بقوله: "في الماضي، كانت خطوطنا الأمامية في آبادان، وخرمشهر، ومهران وحاج عمران، أما اليوم فقد دفعنا بتلك الحدود إلى الموصل، ولبنان وحلب في سورية". وللحديث بقية أخيرة.