المشكلة الأساسية في كل المشاكل التي تحدث في خدمات الدولة تكمن في الفساد. لا يمكن أن نحل مشكلة الفساد ببيع خدماتها أو جزء من واجباتها. القطاع الخاص أسوأ بقليل من الفساد في أجهزة الدولة. نستطيع أن نقاوم الفساد بطرق مختلفة دون استسلام. أهمها توسيع حجم الحرية. كلما ازدادت حرية التعبير والنقد تدنى مستوى الفساد.

من مشاكل الحرية الاعتداء أو ما قد نراه اعتداء. نسمع هذه الأيام نقاشاً حول التشهير. هل يجوز التشهير بالفاسدين. أظن أن هذا السؤال فاسد. يفتقر إلى الدقة. استخدامنا لكلمة التشهير ضللنا كثيرًا. كلمة (التشهير) هي في حد ذاتها جريمة تعيق فهمنا لمفهوم الحرية. لا أحد يقبل أن يعامل إنسانًا بالتشهير. تنطوي هذه الكلمة على اعتداء على الشخص المعني.. لكن في الوقت نفسه إخفاء أسماء المتورطين في جريمة الفساد جريمة أكبر نرتكبها في حق المجتمع وفي حق المؤسسات التي سوف يعمل فيها هذا المتهم وفي حق الأسر التي سوف يصاهرها. علينا ان نعرف أن مرتكب الفساد مجرم. ما الفرق بين الحرامي وبين مرتكب الفساد. كلاهما شخص واحد. الأول نعرفه منذ الأزل وجزء من تراثنا الأمني بينما الفاسد جاءنا مع الإدارة الحديثة.

كلمة التشهير على المستوى الاجتماعي والديني والأخلاقي كلمة شنيعة. لكن لا يوجد في البوح باسم الفاسد أو الحرامي أو القاتل تشهير. تلاحظ في بيانات وزارة الداخلية عند تنفيذ بعض الأحكام الكبيرة ذكر الأسماء بالتفصيل. هذا ليس تشهيراً. التشهير عندما تفضح رجلاً مستوراً، جالساً في بيته لم يعتد على أحد حتى وإن كان يمارس أشياء مخالفة. هؤلاء الذين يتحدثون بقلب حنون عن مسألة التشهير هم في الواقع يعادون حرية التعبير عمداً أو بحسن نية.

عندما تكتشف الصحافة حالة فساد في جهاز من أجهزة الدولة يجب أن يعلن اسم الجهاز وإذا أعلنت اسم الجهاز يجب أن تعلن القسم وإذا أعلنت اسم القسم يجب أن تعلن أسماء المتورطين في القضية. ليس الهدف التشهير ولكن حفاظاً على أسماء الأبرياء العاملين في نفس الجهاز لكي لا تلوكهم الألسن. إذا كانت الجريدة ملزمة أن تخفي اسم المتهم وتخفي اسم الجهاز, فلا قيمة إذاً لعملها. لا يوجد لدينا قضية أو حتى خبر. مرة كتبت مقالاً عن صدام حسين ذكرت فيه بعض جرائمه. علق أحد القراء قائلاً يا أخي اذكروا محاسن موتاكم. نفس موقف الذين ينادون بمنع ذكر أسماء الفاسدين. نحمي المجرمين تحت أنظمة أخلاقية كبرى لا علاقة لهم بها.