صعب شرح وجود بطالة في الوقت الذي تقول أرقام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية أن 9 ملايين مقيم يستضيفهم القطاع الخاص!

وكلما قادتني الصدفة للقاء شاب سعودي "عاطل" أتعجب من استمرار "بطالته" في ظل الأرقام التي تتباهى بها وزارة العمل بين الحين والآخر!! لأنه لا يعقل أن يرضى شاب جامعي بوظيفة راتبها لا يتجاوز ثلاثة آلاف ريال؛ لولا أنه لم يجد أفضل منها!

سبق أن قال أحد أعضاء الشورى: "إنه لا يوجد بطالة في المملكة وإن الموجود هو حالة سعودية خاصة تتمثل في انتقائية العاطل السعودي وعدم قبوله بأي وظيفة".. وهذا فيه من الصحة لكنه مبرر.. عندما تستثمر الحكومة في الإنسان السعودي وتوفر له التعليم العالي فإنها ترفع بطريقة أخرى من كفاءته، بدليل أن تكلفة استقدام العامل الأميركي ليست مثل تكلفة استقدام الهندي، رغم أن الأخير أكثر كفاءة في بعض المجالات.. وبالتالي فإن تكلفة الموظف السعودي إذا سلمنا بارتفاعها تأتي بحكم تأهيله وثقافته وكونه في بلده فيصبح من المنطقي ألا يرضى بأي وظيفة لا تتناسب وحجم الاستثمار الذي بذله للحصول على الشهادة وحجم الانفاق الذي بذلته الحكومة في تعليمه، إضافة إلى أن حساب التكلفة الحقيقية ليس برقم المرتب الشهري بل بالتكلفة المادية والاجتماعية والقومية.

وبعيداً عن العواطف فإن الواقع يقول: إن الحكومة يجب أن تتوقف عن توظيف الشباب في الوظائف الحكومية حيث لا يمكن أن يستهلك باب الرواتب مئات المليارات في الوقت الذي تشير فيه تقديرات إلى أن انخفاض أسعار النفط إلى ثلاثين دولاراً يعني العجز عن دفع مستحقات هذا الباب.. هذا مأزق حقيقي لا يقل خطورة عن مأزق ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل، ويستحق استنفاراً يبدأ من اليوم ولا ينتظر وصول كرة الثلج.

توظيف السعوديين في القطاع الخاص ليس من أعمال المسؤولية الاجتماعية بل هو واجب يجب أن يؤديه صاحب العمل جزاء كل ما يلقاه من دعم ورعاية، كما يجب على وزارة العمل فرض السعودة مهما كان الموظف السعودي متعباً أو مكلفاً لأنها حتمية يجب أن نفرضها قبل أن تفرض علينا.. يجب أن نستهدف القطاعات الأكثر جذباً للسعوديين وأن نتخذ القرارات الصعبة التي تفرض السعودي فيها.. مهما كان الأمر مكلفاً.

ولو سلمنا بمبررات المادة 77 من نظام العمل فإننا ولا بد أن نستحدث جهاز لحماية السعودة من الاستخدام التعسفي لهذه المادة ومن "السعودة الوهمية" والعقبات الأخرى التي قد تعترض برامج السعودة من منظور ضيق لا يدرك حجم المشكلة..

نحن لا نتحدث عن قضية ترفيهية ثانوية؛ بل عن حاجة إنسانية تتمثل في الحاجة الطبيعية إلى العمل والكسب.. فإن لم تتوفر فإن الشباب والفراغ هما البنزين والنار!