برنامج الأسبوع في ساعة الذي يقدمه الأستاذ إدريس الدريس، استطاع أن يتميز من خلال موازنته بين قضايا الشارع اليومية، والنقاش النخبوي، مع اقتراب من الشفافية وتجاوز الأسقف المعتادة.

في حلقة الجمعة الماضية طرحت قضية مشاركة المرأة في الفتوى، وتحديدا بهيئة كبار العلماء، وطرح القضية للنقاش بحد ذاته يمثل موقفا إيجابيا، يفكك الموقف المتشدد ضد هذه القضية التي تتعلق بالقضايا الشرعية لنصف المجتمع، ولكن القالب الذي طرحت به لم يخدمها على الإطلاق، وذلك عندما قدمت بنوع من الخفة تقترب من (الاستخفاف) فبدت كمعروض التماس اقتحم مجلس الرجال، بينما هم منهمكون بحل وعقد قضايا الأمة الكبرى.

وأخذ كل من المشاركين يدلي بدلوه ظنا منه بأنه سيأتي بما لم تأت به الأوائل، عاجزين عن وضعها في إطارها الشرعي عندما كانت أم المؤمنين عائشة هي مرجعية شرعية لعموم المسلمين تستدرك على كبار الصحابة، ومن أراد التوسع في هذا ليطالع كتاب (الإجابة لما استدركته عائشة عن الصحابة) للزركشي، وظلت المفتيات والفقيهات عبر التاريخ حاضرات تحت المآذن والقباب، وآخرهن هي فاطمة بنت الشيخ محمد بن عبدالوهاب، والتي كان لها مجلس علم وفتوى.

فأحد ضيوف تلك الحلقة همش القضية تماما، عبر توظيف العذر الصحوي المستهلك عندما قال بأن هذه القضية قضية إثارة صحفية وليس وقتها، وإنها تخلق بلبلة داخلية وتشق الصف.. إلخ، وهو أسلوب الالتفاف المعهود عندما يزمع أحدهم طمس القضية وحجبها.

بينما قال آخر (بأنها مابرحت بعيدة تماما عن هذا الموضع، ولابد أن تنتظر طويلا، لتصبح مدرسة وقاضية ووزيرة ولربما لاحقا قد يُسمح لها بالفتوى، رغم أنها لو أصبحت مفتية لن يستفتيها أحد لأن المجتمع يؤمن بقصور عقلي في ذهن المرأة ).. هكذا!!

متخلياً عن مسؤوليته التنويرية فوق مقعد نخبوي أتيح له ليتناول شؤون المجتمع وفق بعدها الإنساني، فاختار بدلا من هذا النبش في الخزائن العتيقة، واختيار أسوأ ما فيها ونثره في وجوه المشاهدين.

وثالث حصر حيز فتاوى النساء بالحيض (!!!) مع كل ما يستدعيه هذا الموضوع من الاستنقاص والاستقذار تجاه المرأة كقدر أبدي ملازم، مهملا حقوقها الشرعية المسلوبة، وغياب مدونة للأحوال الشخصية تعيد لها حقها في النفقة، ومتاع ما بعد الطلاق، والحضانة، والميراث، وووو.. لكن هذه نماذج تعكس الكوارث الفكرية التي تتربص بالنساء.

وأتى طرح الأستاذ يوسف الخزيم شاملا موضوعيا ربط القضية بأبعادها التاريخية السياسية والاجتماعية، وأشار إلى أن أهمية إنشاء مجلس يعنى بشؤون المرأة، نظرا لكونها من الفئات الاجتماعية (الهشة) والتي لابد أن تتدخل الدولة بقوة لحمايتها وتمكينها.

ولأن رؤية الأستاذ يوسف المنصفة تمثل 1/4 أي ربع الأصوات، فهذا الاجتماع يختزل لنا الصورة التقريبية لما يدور في الغرفات المغلقة التي تتخذ فيها القرارات، والنظرة الذكورية المستنقصة للمرأة كشريك أساس في التنمية.

لنصل في النهاية إلى أن غياب المرأة عن دوائر صناعة القرار، وصناعة الفتوى هو بالتأكيد بخس حقوق، وظلم كبير، لا بد من معالجته كي تستوي كفتا الميزان، وتنتظم مسيرة التنمية.