أطلق الكاتب يحيى حقي "1905-1992" مطالبة نقدية في إحدى مقالاته بعنوان "الأغنية جديرة بالدراسة الأدبية" "1960"، ووضع سببين لذلك:

"الأغنية جديرة بالدراسة الأدبية، لأنها أيضاً بجريها على الألسن ونفوذها إلى ضمير الشعب تكشف عن نوع مجاوبته لهذا التعبير الشعري وتلك الأخيلة الشعرية فتعرف هذا الرباط الذي لا يصلح إلا هو للبناء عليه، لأنه هو الذي يربط بين الفنان والشعب، وبفضله يتم تأثر كل طرف بالآخر، ويدخل في هذا البحث محاولة الكشف عن المعاني التي تروق للشعب".

في هذا النص النقدي –برؤية استشرافية في وقت كتابته ونشره - ليكشف جملة من الحقائق ومن الملاحظات، بقيمة "الأغنية" لكونه قالباً وضع في القرن العشرين، وبسببه تحولت فنون الأداء من التراث الثقافي "أو الفولكلور أو المأثورات الشعبية" نحو قوالب اتخذت ألواناً في الدرجة لا النوع: كالدرامي والطربي والراقص والحماسي، وأن اعتماده على "الشعر المغنى" الذي يجمع عناصر عدة ملتحمة، أساسها الإيقاع والكلمة والنغم في درجة، وفي درجة ثانية ينتمي إلى ذاكرة غائرة إما تكون أسطورية وإما خرافية تحمل حالة طقوسية ورمزية وكائنات عجائبية وأبطال خارقين. وأقول يمثل سلسلة نسب بما تحصل من تاريخ "الشعر المغنى" في الثقافة العربية.

وعلى تلك الحقائق ملاحظات تجمع السببين وتجعلهما نتيجة لبعضهما، فإن صلة "الأغنية" بـ "ضمير الشعب" في توليف الذاكرة، والتداول الشفوي المرتبط بالأداء والقول والحركة أي تشابه عناصر "الأغنية" بعناصر "فنون الأداء" جعلها تشكل تراثاً ثقافياً غير مادي يعيش بعمر أجيال البشر في ثقافة واحدة.

ولا يمكن غفلة أن منتصف القرن العشرين حتى الواحد والعشرين شهد تطوراً نقدياً بأثر من الأدب والفكر والعلم، ولعله ربما ذهب إلى ما هو أبعد من دراسة "التعبير الشعري والأخيلة الشعرية" أو "تطوير البحور والأوزان والقوافي إلى نمط حديث"، ولا يمكن لأي بحث أن تقوم له قامة ما لم يبن على سابقه، وإذا كانت مقالة الكاتب يحيى حقي شعلة لم تنطفئ على مر سنوات بوصفها مطالبة نقدية جديرة بالقراءة والاستعادة والتجاوز كذلك كل دراسات من بعد تاريخها سعت منذ سبعينيات القرن العشرين حتى ما بعد الواحد والعشرين، وفي كل دراسة هي اكتساب أرض جديدة في جغرافيا القراءة والتأمل والتفكير قبل الكتابة والنقد والتحليل.

وقد وضعت بعض الدراسات الجادة في الربع الأخير من القرن العشرين، ولكن ماذا قدمت تلك الدراسات الأخرى؟. سنرى لاحقاً.