طالما أن الحديث عن "الجراكل"، وهي علب تعبئة الماء الكبيرة، لمن لا يعرفها، فسأبدأ من مقولة للشهير "أبو جركل"، تحدث فيها عن التسامح والحريات وقبول الآخر وأفكاره، بطريقته العفوية، حيث يقول: "هو أنت أنا؟ ولا أنا أنا! أنا أنا وأنت أنت"، أو كما قالها، كناية عن قول: لك حياتك.. ولي حياتي.

نعود لعنوان المقالة، حيث إن القصة تتمحور حول فنان أراد أن يقوم بـ "إعادة تدوير"، أو ما يعرف بالـ Recycling، والتشجيع على هذا المفهوم، عبر مبادرة ثقافية، بحسب ما قاله محمد اليوسي، الذي يترأس مجموعة "ملهمتي"، حيث أكد أنها تهدف للارتقاء بسلوك المجتمع، وتشجعه على إعادة تدوير النفايات.

في الحقيقة، ليس لدي موقف واضح أو محدد تجاه هذه التجربة بشكل خاص، لأنني لم أقف عليها، ولا تفاصيل كثيرة حولها، لكني في الوقت نفسه، أنا أؤيد كل ما يمكن أن يصنف تجديدا أو تغييرا، بوجهه المحمود بالتأكيد. عطفا على كون أساس المبادرة هو العمل لبناء أرضية ثقافية، تجاه قضية شبه منسية، أو ليست ذات اعتبار أولوي، لدى الأغلبية، المثقفين قبل العامة.

لو افترضنا أن العمل الذي قام به المبادرون خاطئ، ولا أميل لهذا الرأي، فما الذي يدعو لهذا الهجوم الحاد من قبل البعض، ولن أقول بطريقة شعبوية "خلصت القضايا..؟"، لأني أؤمن بحق النقد للجميع، لكن معظم الذين (كسّروا) مجاديف هذه الفكرة طالبوا بالتطور كثيرا، وانتقدوا كل الأصوات التي ترفض التجديد، غير مدركين أن أي تطور أو تمرحل يمر عبر مساحات كثيرة، قابلة للخطأ قبل الصواب، حتى الوصول للتشكل النهائي، الذي غالبا لا ينتهي في المجتمعات المتطورة.

في زاوية أخرى، لفت انتباهي رد الفنان المتزن، غير المتشنج، وعدم تعاطيه مع الحملة ضد الفكرة بتسرع، والرد بشكل ناضج وحضاري، ما يشي بمدى إيمانه، ومجموعته، بالفكرة، وعكس العمل الثقافي من خلال الحوار، وقبول الآخر وانتقاداته، وليست مجرد شعارات لحملات وقتية. وهو أمر في غاية الأهمية في نظري، وقد استمعت لرده، عبر مقطع "فيديو" منشور، جعلني أميل أكثر لهذه المبادرة، بعدما انجرفت بشكل مبدئي للصورة التي انتقدت العمل.

في الأخير.. نتغنى كثيرا بالتجارب الغربية، أو التجارب الناجحة بشكل عام، ونطالب باستنساخها، لكن في الوقت نفسه نرفض كل ما هو مستحدث.. وفي هذا تناقض. يجب ألا ننسى، أن حرية ارتكاب الأخطاء شيء أساسي، لأننا لا يمكن أن نصل لخطوط الصح بدونها. والأهم: لأننا لا نقطن في المدينة الفاضلة. والسلام..