دعونا نتفق أن وسائل التواصل الاجتماعي في السنتين الأخيرتين بدأت تسحب البساط من وكالات الأنباء التي بَرِقَتْ منتصف القرن الماضي وكسبتْ وأسستْ مكاتب في مناطق كثيرة من العالم.

منذ أن كانت تُعطي مشتركيها الخدمات بواسطة البرقيات والمبرقات والفاكس. وأذكرُ عندما كنتُ محررا متعاونا في رياض ديلي التي كانت تصدر بالإنجليزية عن مؤسسة اليمامة الصحفية، أن الوكالات كانت تُخيّرنا بين الحصول على صورة ملونة واضحة وكبيرة للحدث، نأخذها دون غيرنا أو الاكتفاء بالصورة العادية. وإذا اخترنا الأولى ونشرناها، فثمة فاتورة قادمة لا محالة، غير فاتورة الاشتراك.

ولا أخال الوكالات الآن تتمتع بميزات كتلك، كانت تحتكرها وتكسب منها، لأن المشترك سيقول في ذهنه: قُرّائي حصلوا على الصورة من "شاهد عيان ببلاش" بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي. ولن أرفع فاتورة اشتراكي بالوكالة لصورة اطّلع عليها الناس.

بدأنا أيضا نُلاحظ أن السياسيين، وربما القادة، ومن لهم صلة مباشرة بأحداث الساعة يُعطون تصريحاتهم عبر مواقعهم، بدلا من حشد الصحفيين ومراسلي الفضائيات، وإجراء عمليات التدقيق في دخولهم وهوياتهم والتزامهم بدقة التصريح. فصار السياسي الآن يُملي على سكرتيرته كامل التصريح لتضعهُ في موقعه (حسابه) ومن شاء فليسحب ومن شاء فليمتنع. ولا خطر من تحريف النص بواسطة محرر مبتدئ أو حريص على السبق الصحفي لمطبوعته.

كان مذيع الأخبار السياسية يطالعنا برؤوس أقلام تقول: وفي نبأ لوكالة كذا، أو: وذكرت وكالة أنباء الدولة كذا. أو وقد صرّح المسؤول لمراسلي وكالات الأنباء إلى آخره. قلّتْ تلك الفقرات الإخبارية وصرنا نسمع: وكتب رئيس الوزراء في "حسابهِ" على (ويذكر اسم إحدى وسائل التواصل الاجتماعي).

إلي أي مدى ستدوم الصحبة بين من بيدهم القرارات في العالم، وبين وسائل الاتصال الاجتماعي، هذا ما لا نعلمهُ ونجهله كما جهلنا مصير وكالات الأنباء الحكومية والأهلية. وأظن أيضا أن المتحدثين الرسميين عندنا سيعمدون يوما ما إلى جعل مواقعهم مصدراً للأنباء الباردة والحارة.

ومفردة "حساب" دخيلة على العربية. أخذناها حرفيّا عن الإنجليزية Account

والمفروض أن نتمسّك بمفردة (موقع)، لأن الدلالة العربية لـ"حساب" تختلف.