كانت الغالبية من الأسر المصرية تُخصص للهاتف مكانا عمليا ويحرصون على طول السلك بحيث يمكنه التنقل من غرفة إلى أُخرى، مع الأشخاص, أهل المنزل صغيرهم وكبيرهم. كانوا يضعون المعدّة في سلّة ذات مقبض، صُنعتْ في الغالب من القصب الخفيف والناعم جدا ، يسمونها " السّبَتْ "

كل هذا الحرص والعناية والدلال التى خصّوا بها جهاز الهاتف دون غيره من سائر محتويات المنزل. وساعدهم بذلك شكل الهاتف القديم حيث لم يكن يحتوي على شاشة ولوحة مفاتيح متعددة الأشكال والأغراض . كان الهاتف عبارة عن جسم صغير مُثبّت فيه قرص يُدار بالأصبع .

أرى أن ذلك كان الحب الأول لاصطحاب الهاتف إلى كل زاوية ومرفق من مرافق المنزل ، كان الدافع – أو ضمن الدوافع – لمراكز البحوث لإدخال الهاتف النقال وجعله الابن المدلل .

في السنين الأخيرة أخذ الجوّال المكانة الأولى من المقتنيات الأسرية. تشكّل وتلوّن وطُلي بماء الذهب. ومن حسن اصطحابه أنه اختصر الزمن، وبذات الوقت أكل الزمن . فالوقت الذي يقضيه الفرد مع النقّال لا يمكن مقارنته مع أيّ انشغال آخر. ومن سيئاته أنه صار يتسبب في حوادث السير عندنا لمن لا يهتمون بأنفسهم كثيرا، فكل شيء يجوز عندهم أمام المباهاة والتفاخر بالامتلاك .

ودخل الجوّال في خانة نفائس المقتنيات التي يستهدفها اللصوص وسارقو الجيوب والمنازل. فنقرأ في أخبار الحوادث في صحفنا المحليّة أن المسروقات تضمّنت كذا وكذا و هاتفا جوّالا، ووُجدت الدكاكين والورش التي تصون الجوال، وتبرمج الجوال، وأيضا تستقبل المسروقات من أجهزة الجوّال رزقا واسعا. لم يعد الجهاز للحديث وإنجاز أعمال، أو للتواصل والسؤال عن صحة الأقارب والأحباب، صار أيضا مُستهدفا، وتملّكهُ يُشبه المخاطرة.

مثلما "سرق " وقتنا ، عاقبه الله بجعله هدفا "للسّراق " .

وأنا أكتب هذه الزاوية جاء في بالي الشاعر اللبناني الساخر طانيوس عبده ( 1869 – 1926 م ) الذي اضطر إلى بيع ساعة الحائط الثمينة التي يملكها ، كي يأكل بثمنها . فقال : -

كان لنا فيما مَضى ساعةٌ

تأكلُ من أيامنا ما حَلا

٭٭٭

عاقَبها اللهُ بنفْس الجزا

فاليوم بعناها لكي نأكلا.

لوجاء يوم نبيع فيه جوّالاتنا .. قد لا نجد المشتري .