متأكد أنكم سترون معي أن أجهزة الدولة وكذلك القضاء ارتاحوا بعض الشيء من مشاكل الحوالة (الشيك) بدون رصيد. ونتذكّر قبل انتشار الأعمال المصرفية في بلادنا، وكان الدافع يُرسل إلى المستفيد ماسميَ (حوالة)، ويؤشّر عليها بطلب جميل في مفرداته بقول: -

"وخذوا التحويل مُظّهرا بالاستلام". ثم جاءتنا الشيكات التي صاحبتها المخاوف والمخاطر، حتى عهد قريب لم يكن البائع يقبل تلك الورقة (الشيك) مُقابل (حلاله)، وقد أخذ منه المشتري بضائع ثمينة.

وأعتقد أن مسألة "شيك بدون رصيد" قلّت الآن بسبب صرامة الأنظمة وسرعة تتبع الفاعل وتهديده بقطع الخدمات وعزله ماليا والتشهير به إن لم يفِ بما تعهّد خلال فترة تحددها المحكمة.

وقال أحد المستفيدين الرافضين للشيك في السابق: إن الآية ربما انقلبت من شيك بدون رصيد إلى شيك بدون بنك، لأن البنك ربما طار وأنت لا تدري، لأن مصارف عملاقة أدخلت بعض أصحاب الودائع إلى سُرر مشافي الأمراض النفسية؛ لأن البنك نفسهُ "فص ملح وذاب" كما يتمثّل المصريون.

ليس في وسع أحد أن يؤكّد أن العملة الورقية في العالم، أو الرقم الذي يُبيّن رصيدك في الكمبيوتر هو إشارة مزيلة للقلق، أو أنه مثل الحبوب المُهدّئة التي يأمر بها الطبيب للمصابين بالاكتئاب أو لمن يُقبلون على عملية جراحية، أعتقد أنها نفس القلق الذي كان يُعانيه من كان يضع كيسهُ تحت الوسادة.. ويتلّمسهُ بين حين وآخر، في الصحوة أو في الحلم.

كان الآباء يضعون النقود الفضيّة في تَنَك ويضعونها في مكان آمن محروس، أو يؤمنها عند (ابن حلال) لديه دكان يمكن لصاحبها أن يمرّ من أمامه يوميا.. للتاكّد من وجود صاحبه في صحة وعافية وحيّ يُرزق!.

تُرى هل تعتقدون أن المصارف ستكون بحال أحسن من حالها لو عاد الإنسان إلى المقايضة؟ أي تبادل السلع.. دون نقود.. فيشتري سيارة مثلا بعشر قطع سجاد، كانت عنده ولا يحتاجها، الآن يحتاج سيارة، أو يشتري (إديتر) مثلا بعشر سطول تمر برحي.

لم يكن للمصارف وجود ولا منفعة عندما كان (المعاش) أو (الشرهة) تُدفع أرزاقا في أوائل عهد تأسيس المملكة العربية السعودية، وأوائل عهدها بالخدمة المدنية.

أعرف رجلا كان موظفا، يقول إنه يستلم راتبهُ كل ثلاثة شهور وكان "كِيسا" وتوابعه، أي ما يتبعه من سمن وغيره. وقال أيضا إنه سبق أن استلم "تَيْسا" لقاء راتب شهر ونصف.

وعند بداية عهد الخليج العربي بالمصارف سألوا ثريّا عن أعجب شيء رآه في الدنيا فقال: البنك، كيف يعرف بيزاتي (فلوسي) من بيزات هذا من بيزات ذاك.. أو ذاك.