لم تكن دعوة إلى الإسراف غداة دعمت الدولة القطاع الزراعي ومن قبله قطاع الإسكان والعمران.

إلا أن مثل تلك الخطط بلورت مفهوما آخر عند بعض المورّدين، فغمروا السوق وأغرقوها. عملوا ذاك تحت وطأة المنافسة والرغبة في الكسب السريع.. ولا غبار على ما يفعلون لو كان مصحوبا بالتبصّر ودقة النظر للواقع والإلمام بالسوق وما تحتاجه.

الإطار العام لهذا الوضع أوجد تخزينا لمواد، ولكل شيء لا علاقة له بالحاجة أو بتنمية البلد.

وكان الأجدر بالموردين والتجار أن يفحصوا المناخ الاستثماري بعقلية أكثر يقظة وأدق نباهة. تلكم الآلات بكل ملحقاتها وقطع غيارها جرى دفع أثمانها إلى الخارج نقدا وعدّا وبالعملة الصعبة من كيس الاستثمار والادخار الوطني.

وقبل أن تكون التجارة مصدر رزق أو مكسب، فهي معنى شمولي إنساني.. وطني. يتوجب على ممارسيها الاحتكام إلى المصلحة الوطنية.. لا الشخصية. الأرض لا الرصيد.

هذا الاستيراد الجزافي للمواد بمجرّد إعلان الحكومة عن حوافز مالية، أصبح ملازما لعقلية بعض التجار والباحثين عن فرصة الكسب السريع. والنتيجة أن المخازن، أو الأحواش المكشوفة امتلأت بكل ماهو غير صالح، وغير مفيد لحاجة البلد، وغير قابل لإعادة التصدير. وأشك أن أصحابها أو من غامروا باستيرادها لديهم القدرة لمواجهة تلك الحالات.

بودي أن يضع التاجر المبتدئ شيئا في رأسه يُشبه صمام الأمان، أو سقفا (ولو مستعارا) للركض وراء التقليد والمخاطرة.

ترى أحدهم يذهب إلى المصرف لفتح اعتماد توريد بملايين الدولارات لمعدات زراعية، وهو لم يرسم بعد فتحات توزيعها. معلوم أن حال النشاط التجاري في العالم كله لا تستقرّ على وتيرة واحدة، ومن الصعب أن تتطبّع العمليات التجارية لتتلاءم مع القطاع على شكل مستمر في كل الأوقات. فهناك الصحو.. والغيوم..! والسكون..! والحر..! والبرد، وقد تأتي تلك الأشياء في نهار واحد.

لا أود لتجارنا ووكلاء مصانع الشرق والغرب عندنا أن يغروا المشتري، ثم يتركوه في رحلة الهموم والديون، أو يتركوا البضائع المستوردة في مستودعات مهملة نتيجة التسرّع والتسابق.

رأينا تلك الحال إبان سنين معونات القمح، فالرشاشات التي استوردت فاضت عن الحاجة وتُركت للصدأ، وقيمتها دخلت في أرصدة المصدرين والصناعيين.

وسمعنا من قال إن السبب في كثافة الاستيراد غير اللازم لحاجة البلد هو التسهيلات والخصوم التي تمنحها الشركات المصدرة لكل تاجر سعودي يفوق غيره في كمية الطلبات. كمين ذكي من الصنّاع وشركات التصدير، والغرض النهائي استنزاف العملة الصعبة من رصيد البلد، وبيعهم معدات لا الأرض ولا القطاع بحاجة إلى ربعها.