بقدر ما سمعتُ بترداد تلك المفردة صغيرا ويافعا ورجلا لم أذكر أن أحدا ممن ذهبوا للصيد والقنص عاد إلى داره ومعه ما يوازي تعبه وركضه وسهره وراء طريدة أو طريدتين، أو النادر والسمين من طيور مهاجرة.

واقتنعنا الآن أن الكلمة ما هي إلا هواية رياضية للانطلاق إلى البريّة والتخلص من سأم أسوار المدينة. كانوا إذا سألوا عن كبير قوم يُقال لهم: في المقناص، أي في رحلة الصيد. وأظن أن تلك الكلمة لها استعذاب نطق وحلاوة وترديدها جعل الشعراء -قصدي شعراء جزيرة العرب- يأتون عليها في قصيدهم، وما أكثره.

جاء من قال إن الصيد كان يوجد بكثرة في بلادنا قبل حفر قناة السويس، فكانت قطعان الغزلان تعبر وتتربى وتتوالد في جزيرة العرب. وهي -أي الغزال- طريدة مفضلة كما تقول القصص والأشعار. قال أحدهم:

اليا لفونا من المقناص زعالي

أحد مدح بندقة وأحد يعذربها

بشرتهم بالعشا من عقب مقيالي

القايده مع مرد الكوع ضاربها

وإيراد كلمة القائدة يدل على أن هناك قطيعا. وقد قرأنا مثل هذا القول في شعر الحطيئة حيث قال ضمن قصيدة معروفة:

فبيناهما عانتْ على البُعد عانةٌ

قد انتظمتْ من خلف مسحلها نَظما

مسْحَلها أي قائدها. وذاك أيضا يُشير إلى قطيع جاء ليشرب الماء.

وأعتقد أنه يجوز لي الشك في كل ما قيل عن تواجد الطرائد في جزيرة العرب بتلك الكثرة. فما الذي يجعلها تترك أفريقيا بخصبها ومياهها وتعبر سيناء إلى جزيرة العرب.

ويقول المعجم عن مفردة "قنص": في لسان العرب: قَنَص الصيْدَ يَقْنِصُه قَنْصاً وقَنَصاً واقْتَنَصَه وتَقَنَّصَه صاده كقولك صِدْت واصْطَدت وتَقَنَّصَه تَصَيَّده والقَنَص والقَنِيص ما اقْتُنِص.. فالكلمة فصيحة.

وأخذ الصيد والقنص حيزا كبيرا من تفكير أهل الجزيرة والخليج. وعندما قلّت الطرائد، أو حكمتها قوانين حماية ذهبوا إلى الهند وباكستان وأفريقيا للصيد والقنص. إلا أن الظروف الأمنية الحالية جاءت كبوليصة تأمين للحيوان..!