قال شاعر قديم عن بلاده:

بلاد ألفناها على كل حالة

وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحَسَنْ

ونستعذب الأرض التي لا هواؤها

ولا ماؤها عذبٌ ولكنها وطنْ

عندنا في الوطن العربي للأسف نوادر ونُكت عن الأرض والوطن. نوادر ونكت تمتلئ بها كل جعبة، وبعضنا يحفظها ويرويها للتسلية، حتى أصبحت نوعاً من الأدب الساخر الذي لم يكن معروفاً في أدبياتنا.

عندنا في الجزيرة والخليج تكثر السخرية عن الطقس والغبار والحر والبرد. وإذا جاء فصل تجلّت براعات أهل النكت والرسوم الساخرة عن هذه الأرض، أرضنا، وكأننا خُلقنا في فراديس وحدائق العالم.

توجد في بلدان العالم بعض الطُّرف والحكايات، لكنها لا تأتي بمثل تلك القسوة التي نطرحها عن وطننا، بمناسبة وبغير مناسبة.

والوطن كما عرَّفته معاجم اللغة هو مكانُ الإنسان ومقرُّه، أو هو مكان إقامة الإنسان وملاذه عند الشدائد، ولد به أو لم يولد.. وكثير من هذه المعاجم يجعل الموْطنَ مرادفا للوطن.

وقد حَفل الشعر الجاهلي بذكر "وطن الشاعر" أو "أوطانه" بتعبير أدق، وهذا الوطن قد يكون واحةً غنَّاء، وقد يكون قطعة ممتدة من الصحراء تتسع لمضارب القبيلة، وقد يكون جبلا ارتبط في حياة الشاعر بذكريات معينة.

ولا توجد أرض في العالم لا يوجد فيها منغّصات وشقاء وعوامل بيئية مميتة.. وقلما سمعنا قساوة حديث يصدر من قوم تُصاب بلادهم، ولفترات متقاربة بالعواصف، والزلازل، والبراكين والسيول العرمة والهدّامة.. صحيح أنهم يتذمرون من الحالة، لكنهم لا يعملون منها أسفارا من السخرية والتهكّم والاستهزاء.. كوارث كبرى تمرّ ويختفي أثرها، ويبقى حب الأرض والجذور عند أهل تلك البلاد في القلوب، ولا يرضون أن تكون بلادهم موضوع هزء وتندّر.

وليس في بالي شريحة، أو فئة عمرية اتخذت من التنكيت هواية.. لكن تكثر الحالة عند من قضوا شطرا من حياتهم خارج الوطن، فيمتزج لديهم عامل الانبهار بطريقة عيش القوم هناك، ولا يجدون للتنفيس إلا أن أن يُقارنوا حالة وطننا بحالة البلد المضيف.

شخصيا أشتاق دائما لسماع نشيد "موطني" للشاعر إبراهيم طوقان.